حراك مصري واسع لوقف حمام الدم في غزة

0 تعليق ارسل طباعة

- تحركات مصرية في كافة الاتجاهات لتثبيت وثقف إطلاق النار وإطلاق مفاوضات سياسية
- متحدث فتح: القيادة المصرية تلعب دورًا جوهريًا في التصدي لكل -المخططات التي تستهدف الشعب الفلسطيني بتحركات دولية وجهود مباشرة على الأرض

 

وسط مشاهد الدمار المتجددة في قطاع غزة، يقف المشهد الإنساني شاهدًا على معاناة لا تنتهي لشعب يواجه واحدة من أشد الأزمات في تاريخه. القصف المتواصل، الأحياء المدمرة، والنقص الحاد في الغذاء والدواء، كل ذلك يعيد إلى الأذهان المآسي التي شهدها قطاع غزة على مدار أكثر من 15 شهراً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، لكن في خضم هذه الفوضى، تبرز مصر كقوة دبلوماسية تسعى جاهدة لإعادة التوازن ووقف حمام الدم. فمع ظهور ملامح لانهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي استمر لشهرين، بادرت القاهرة على الفور بمحاولات إعادته، مستغلة ثقلها الإقليمي وعلاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف، في محاولة لإنهاء التصعيد وإعادة إحياء المسار السياسي.

 

هذا الدور الذي تلعبه مصر ليس جديدًا، بل هو امتداد لدور تاريخي ظل ثابتًا منذ عقود، حيث كانت القاهرة دومًا المدافعة الأولى عن القضية الفلسطينية وتهدئة القطاع في غزة، مستندة إلى رؤية واضحة تؤمن بأن الاستقرار في غزة هو مفتاح الأمن الإقليمي، وأن تحقيق التهدئة ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل استراتيجية ترتبط باستقرار المنطقة بأسرها. وبقدر ما تسعى مصر إلى وقف العدوان، فهي تدرك أيضًا أن الحل لا يكمن فقط في الهدنة، بل في التأسيس لسلام دائم ينهي دوامة العنف المتكررة.


مفاوضات مكثفة وجهود مستمرة
تجسد هذا الدور في الحراك المصري المكثف من أجل إعادة الهدوء إلى قطاع غزة، حيث استضافت الخارجية المصرية الأسبوع الماضي، اجتماعاً للجنة الوزارية العربية الإسلامية المعنية بغزة مع كايا كالاس الممثلة العليا للشئون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، ولم يكن اجتماع اللجنة الوزارية العربية - الإسلامية في القاهرة، والذي ضم ممثلين عن قطر وفلسطين والأردن والسعودية وتركيا والبحرين والإمارات والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ودولتي إندونيسيا ونيجيريا، مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل جاء في توقيت حرج شهد تجدد العدوان على غزة، ما دفع مصر إلى تسريع جهودها واستضافة هذا الاجتماع لتعزيز موقف موحد يدعو إلى وقف التصعيد الفوري. بحضور ممثلي الدول العربية والإسلامية، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لم يكن الاجتماع مجرد منصة لبيانات الشجب والاستنكار، بل كان خطوة عملية لوضع خارطة طريق واضحة لاستعادة وقف إطلاق النار، وضمان التزام الأطراف به دون تكرار سيناريوهات الانهيار السابقة.

 

البيان الختامي للاجتماع لم يأتِ بصياغات دبلوماسية غامضة، بل حمل رسائل مباشرة تدين استمرار العدوان الإسرائيلي، وتطالب بوقف فوري للأعمال القتالية، مع ضرورة الإفراج عن الأسرى والمحتجزين وفقًا لاتفاقات سابقة. كما شدد المجتمعون أن العقوبات الجماعية التي تفرضها إسرائيل على سكان غزة تتنافى مع القانون الدولي الإنساني، وتشكل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية.

 

وعبر هذا الموقف بشكل واضح عن القلق العربي والدولي العميق تجاه الانتهاكات التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، خاصة بعد إصرار الاحتلال على إفشال اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير الماضى، بوساطة مصرية - قطرية – أمريكية، وشدد المجتمعون على ضرورة استئناف هذا الاتفاق في أقرب وقت، والتقدم نحو مراحله اللاحقة، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة.

 

هذا الإجماع العربي – الإسلامي الأوروبي جاء متسقًا مع القانون الدولي الإنساني، حيث دعا المجتمعون إلى ضرورة احترامه وضمان سرعة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة دون أي قيود. لم يكن الحديث عن المساعدات مجرد طلب بروتوكولي، بل كان نداءً عاجلًا لتخفيف معاناة السكان الذين يعيشون تحت وطأة حصار خانق. فقد شدد البيان المشترك على أهمية رفع كل العوائق التي تحول دون وصول المساعدات، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية في القطاع، بما في ذلك محطات الكهرباء وتحلية المياه، لتخفيف الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم.

 

لم يقتصر الاجتماع على معالجة الأزمة الآنية، بل امتد ليضع رؤية استراتيجية لمستقبل قطاع غزة بعد الحرب، حيث رحب المجتمعون بخطة التعافي وإعادة الإعمار التي طُرحت خلال قمة القاهرة في 4 مارس، والتي تبنتها لاحقًا منظمة التعاون الإسلامي وحظيت بترحيب المجلس الأوروبي. هذه الخطة لم تكن مجرد طرح نظري، بل تمثل التزامًا عربيًا واضحًا بإعادة بناء القطاع، والحفاظ على نسيجه السكاني، ورفض أي محاولات لتغيير التركيبة الديموغرافية للفلسطينيين عبر التهجير القسري أو الترانسفير، سواء من غزة أو الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

 

وأكد الاجتماع الوزاري أن أي تحرك دولي لإعادة الإعمار يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية شاملة تضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، وليس مجرد استجابة طارئة للأضرار الناجمة عن الحرب. فالتجارب السابقة أظهرت أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون فعالة في ظل استمرار الاحتلال والعدوان، وأن أي مشروع تنموي يجب أن يترافق مع حلول سياسية تمنع تكرار دورات العنف. وفي هذا السياق، شدد المجتمعون على أهمية مؤتمر التعافي وإعادة الإعمار المبكر المزمع عقده في القاهرة، داعين المجتمع الدولي إلى توفير الموارد اللازمة لإنجاحه، بما يعكس التزامًا حقيقيًا تجاه غزة وسكانها.

 

من بين القضايا الجوهرية التي تناولها الاجتماع، كانت مسألة توحيد غزة والضفة الغربية تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبار ذلك حجر الأساس في أي حل مستقبلي للقضية الفلسطينية. فقد أكد الحاضرون أن أي جهود للتهدئة أو إعادة الإعمار لن تحقق أهدافها ما لم تكن هناك سلطة فلسطينية موحدة قادرة على إدارة شؤون القطاع بفاعلية، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية التي طالما استغلتها إسرائيل لإضعاف الموقف الفلسطيني، كما شدد الاجتماع على ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقًا لحدود الرابع من يونيو 1967، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. فغزة ليست كيانًا منفصلًا، بل جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، وأي نقاش حول مستقبل القطاع يجب أن يسترشد بهذه الحقيقة، بعيدًا عن المحاولات الإسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض.

 

لم يغب عن الاجتماع ما يجري في الضفة الغربية، حيث أعرب المجتمعون عن قلقهم العميق إزاء التصعيد الإسرائيلي هناك، سواء من خلال الاقتحامات العسكرية، أو توسيع المستوطنات، أو هدم المنازل، أو اعتداءات المستوطنين التي أصبحت سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض الحقوق الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد يقضي على أي فرصة لسلام عادل.

 

وقد أشار البيان المشترك إلى أن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة قانونًا بحماية المدنيين الفلسطينيين، لا باستهدافهم أو دفعهم إلى الرحيل. كما شدد المجتمعون على رفض أي محاولات لضم الأراضي الفلسطينية، أو تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في الأماكن المقدسة بالقدس، حيث تعتبر هذه السياسات تهديدًا مباشرًا للسلم الإقليمي، وخطوة خطيرة تقوض أي آفاق لحل الدولتين.

 

وسط هذه الأزمات المتراكمة، أكد الاجتماع التزامه الكامل بحل الدولتين كمسار وحيد لتحقيق السلام، بحيث تعيش فلسطين وإسرائيل جنبًا إلى جنب في إطار تسوية عادلة تستند إلى قرارات الأمم المتحدة، ومرجعيات مؤتمر مدريد، ومبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية. لم يكن هذا التأكيد مجرد تكرار لمواقف سابقة، بل جاء في سياق تحركات دبلوماسية تهدف إلى إعادة الزخم لهذا الطرح، في وقت تحاول فيه بعض القوى طمسه أو تقديم بدائل هشة لا تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

 

ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، جاء هذا الاجتماع برعاية مصرية ليعكس موقفًا عربيًا وإسلاميًا موحدًا يرفض الانتهاكات الإسرائيلية، ويدعم الجهود المصرية لوقف التصعيد، ويؤكد على رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة إلى طرح شامل يعالج جذور الصراع.

 

وكان لافتًا أن الاجتماع لم يقتصر على الإدانة، بل قدم خطوات عملية، بدءًا من دعم الهدنة، مرورًا بإعادة الإعمار، وصولًا إلى العمل على مسار سياسي يضمن للفلسطينيين حقوقهم المشروعة. وفي ظل هذه التطورات، تبقى مصر في قلب المعادلة، ليس فقط كوسيط، بل كدولة قائدة تضع كل ثقلها السياسي والدبلوماسي لإعادة الاستقرار إلى غزة، ودفع المجتمع الدولي نحو حلول عادلة ودائمة، تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتنهي عقودًا من الاحتلال والقمع والمعاناة.

 

لم تكتفِ مصر بممارسة الضغوط الدبلوماسية عبر البيانات والاجتماعات، بل تقدمت بمقترح تفصيلي لاستعادة وقف إطلاق النار، وهو المقترح الذي كشفت عنه وكالة AP، يتضمن إفراج حماس عن خمسة رهائن أحياء، بينهم أمريكي إسرائيلي، مقابل سماح إسرائيل بإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ووقف القتال لمدة أسبوع، كما ستفرج إسرائيل عن مئات السجناء الفلسطينيين، وقال مسؤول في حماس إن الحركة "ردت بشكل إيجابي" على المقترح، دون الخوض في التفاصيل.

 

الدور المصري لم يمر دون إشادة واسعة من مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، حيث ثمنت العديد من الدول الجهود الحثيثة التي تبذلها القاهرة لمنع تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة. كما أشادت الأمم المتحدة بالدور المصري في إيصال المساعدات، والعمل على تهدئة التصعيد، معتبرة أن مصر تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.

 

وأكد الدكتور منذر الحايك، المتحدث الرسمي باسم حركة فتح في قطاع غزة، أن مصر كانت ولا تزال داعمًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية، حيث تلعب دورًا جوهريًا في التصدي لكل المخططات التي تستهدف الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها محاولات التهجير القسري التي سعت إسرائيل إلى فرضها بالقوة. وأوضح الحايك، في تصريحاته أن الدور المصري ليس فقط سياسيًا أو دبلوماسيًا، بل هو دور محوري في حماية الحقوق الفلسطينية، سواء من خلال التحركات الدولية أو الجهود المباشرة على الأرض، التي تهدف إلى إنهاء العدوان ووقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.

 

وأشار الحايك لـ"صوت الامة" إلى أن قطاع غزة يعيش واحدة من أصعب الفترات في تاريخه، حيث تُرتكب المجازر بحق المدنيين كل دقيقة، بينما يواصل الاحتلال قصفه الوحشي، ما يؤدي إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى يوميًا، وأضاف أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض حصارًا خانقًا على القطاع، يمنع دخول الغذاء والدواء، في محاولة لتجويع الفلسطينيين وكسر إرادتهم، كما لفت إلى أن ما يجري الآن في جباليا من تهجير قسري يأتي في سياق مخطط أوسع لإفراغ القطاع من سكانه، مشددًا على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأي حلول تتجاوز حقوقه المشروعة في أرضه.

 

وأوضح المتحدث باسم حركة فتح أن إسرائيل تتعمد إجهاض أي مبادرة عربية أو مصرية تهدف إلى وقف إطلاق النار وإحياء المسار السياسي، حيث تتعامل بمنطق القوة العسكرية فقط، وترفض أي وساطة تسعى إلى تحقيق حل عادل. وأكد أن إسرائيل ترسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأنها لن تتوقف إلا بفرض سياساتها بالقوة، غير عابئة بأي قرارات أممية أو جهود دولية لإيقاف العدوان.

 

كما أعرب الحايك عن استيائه الشديد من موقف المجتمع الدولي، الذي وصفه بالمخيب للآمال، حيث تقف بعض القوى الكبرى عاجزة عن اتخاذ خطوات فعلية للضغط على إسرائيل، بينما يتواطأ البعض الآخر مع الاحتلال عبر دعمه سياسيًا وعسكريًا، متجاهلًا معاناة الفلسطينيين المتفاقمة.

ولا تقتصر جهود مصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد لتشمل إعادة إعمار القطاع، وهي مهمة لا تقل تعقيدًا عن المساعي السياسية. فمنذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير، أرسلت مصر قوافل من المساعدات الإنسانية، وفتحت معبر رفح أمام الجرحى والمرضى، وواصلت تقديم الدعم اللوجستي لضمان استمرار الحياة في القطاع رغم الحصار.

 

مع استمرار الأزمة في غزة، وتزايد التعقيدات السياسية والعسكرية، تظل مصر في قلب المشهد، تحاول بثبات وحكمة احتواء التصعيد، وإعادة مسار التهدئة، في مواجهة تحديات لا تنتهي. ورغم أن الطريق نحو السلام لا يزال طويلًا، فإن القاهرة تثبت مرة بعد أخرى أنها حجر الأساس في أي جهود لحل النزاع، ليس فقط لأنها الأقرب جغرافيًا، بل لأنها الأكثر فهمًا لتعقيداته، والأكثر قدرة على التأثير في مساراته.

 

ومع كل أزمة جديدة، يتجدد الدور المصري، ليؤكد أن القاهرة ليست مجرد وسيط، بل طرفًا فاعلًا يدرك أن أمن غزة هو جزء من أمن المنطقة، وأن السلام لا يتحقق بالشعارات، بل بالعمل الدؤوب، والجهود المستمرة التي تجعل من مصر صوت العقل في زمن الصراعات المتشابكة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق