كشف رئيس قسم التصميم في بوجاتي Bugatti، فرانك هايل Frank Heyl، الذي يعتبر أحد أبرز الأسماء في هذا المجال.
يقول هايل: “عندما تصمم سيارة قادرة على الوصول إلى سرعة 482 كيلومتر في الساعة، لا يمكنك التعامل معها كأي سيارة أخرى، فالأمر يتطلب مهارات خاصة”. ويضيف أن التعامل مع الديناميكا الهوائية في هذه السرعات العالية يجعل السيارة تتفاعل مع الهواء بطريقة أشبه بتأثيرات السرعة فوق الصوتية Mach-scale effects، حيث يصبح الهواء نفسه مضغوطًا بفعل السرعة الهائلة.
من طالب في التصميم إلى قائد لرؤية بوجاتي المستقبلية
بدأ فرانك هايل رحلته في عالم التصميم بحصوله على ماجستير في تصميم المركبات من الكلية الملكية للفنون Royal College of Art عام 2005. انضم إلى بوجاتي عام 2008 كمصمم خارجي، وشارك في تطوير العديد من الطرازات المتميزة، بدءًا من بوجاتي فيرون سوبر سبورت Bugatti Veyron Super Sport ذات الرقم القياسي البالغ 430 كلم/س وصولًا إلى الطراز الأحدث بوجاتي توربيون Bugatti Tourbillon. وفي عام 2023، تولى منصب رئيس قسم التصميم بعد تقاعد أخيم أنشيت Achim Anscheidt.
التصميم في بوجاتي ..فلسفة تجمع بين الوظيفة والجمال
في بوجاتي، كل عنصر في التصميم له غاية هندسية وليس مجرد إضافة جمالية. على سبيل المثال، تمتلك بوجاتي شيرون سوبر سبورت 300+ Bugatti Chiron Super Sport تصميمًا بقاعدة عجلات طويلة ليس فقط لأنه يبدو رائعًا، ولكن لأنه يقلل مقاومة الهواء، مما يساهم في تحقيق أداء استثنائي.
يوضح هايل: “يجب أن يكون هناك قصة تصميمية حقيقية تعكس هدف السيارة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال فهم عميق للظواهر الديناميكية الهوائية وإدراجها في التصميم منذ البداية”. ويؤكد أن العمل في بوجاتي ليس مجرد وضع تصميم خارجي على منصة ميكانيكية جاهزة، بل هو تعاون وثيق بين فرق التصميم والهندسة منذ المراحل الأولى.
بوجاتي توربيون ..إعادة تعريف الأداء الفائق
تُعتبر بوجاتي توربيون ثالث طراز جديد بالكامل في العصر الحديث للعلامة الفرنسية بعد فيرون Veyron وشيرون Chiron. كما أنها أول سيارة يتم تطويرها بعد اندماج بوجاتي مع شركة السيارات الكهربائية الكرواتية ريماك Rimac. أراد ماتي ريماك Mate Rimac، الرئيس التنفيذي، إعادة تعريف مفهوم بوجاتي، متخليًا عن هيكل شيرون وفيرون التقليدي ومحرك W-16 رباعي التوربو الشهير.
بدلًا من ذلك، تأتي توربيون بمحرك V-16 بسحب طبيعي تم تطويره بالتعاون مع كوزوورث Cosworth، مدعومًا بنظام هجين ثلاثي المحركات الكهربائية، ما يولد قوة مذهلة تصل إلى 1,775 حصانًا. ورغم أن بوجاتي أعلنت أنها لن تسعى بعد الآن وراء تحطيم الأرقام القياسية في السرعة القصوى بعد إصدار شيرون سوبر سبورت 300+، إلا أن توربيون لا تزال قادرة على تحقيق سرعة 446 كلم/س، ما يجعلها واحدة من أسرع السيارات في العالم.
الابتكار الديناميكي الهوائي ..أرضية السيارة هي مفتاح الأداء
يرى هايل أن أحد أهم إنجازاته في توربيون ليس في التصميم الخارجي، بل في الأرضية السفلية للسيارة، والتي تحتوي على قنوات فينتوري Venturi tunnels بطول مترين. تبدأ من أسفل المقاعد وتمتد حتى الناشر الخلفي diffuser.
قد يبدو غريبًا أن يركز مصمم سيارات على عنصر لا يُرى، لكن هايل يوضح أن هذه الأرضية هي التي تجعل التصميم الخارجي المذهل ممكنًا، حيث يساهم الناشر الخلفي في تحقيق قوة سفلية متوازنة عند السرعات العالية دون الحاجة إلى أجنحة ضخمة تسبب مقاومة هوائية كبيرة. كما أن اعتماد محرك V-16 بزاوية 90 درجة بدلًا من محرك W-16 العريض أتاح مساحة أكبر لناشر هوائي أطول وأكثر كفاءة.
واللافت أن هذا الناشر الخلفي لا يقتصر على تحسين الديناميكا الهوائية فقط، بل يعمل أيضًا كعنصر هيكلي في نظام الحماية الخلفي من الصدمات، مما يعكس التكامل بين التصميم والهندسة في بوجاتي.
التحديات التصميمية ..التوازن بين الأداء والجمال والقيود العملية
تصميم سيارة مثل بوجاتي توربيون لا يتعلق فقط بالأداء والسرعة، بل يشمل تحديات يومية قد تبدو بسيطة لكنها بالغة الأهمية. على سبيل المثال، كان على الفريق مراعاة متطلبات لوحات الترخيص المختلفة عالميًا، حيث يجب أن تستوعب الخلفية الرشيقة للسيارة لوحة بحجم 52 سم للأسواق الأوروبية والإماراتية أو 6×12 إنش للولايات المتحدة أو حتى الأحجام المختلفة للسوق الياباني.
رغم هذه القيود، لا يمكن بوجاتي أن تكون مجرد آلة وظيفية دون لمسة فنية. ولهذا، عمل فريق التصميم عن كثب مع المهندسين منذ البداية لضمان توازن مثالي بين النسب الجمالية والقدرات الميكانيكية، حيث يقول هايل: “كل شيء ينطلق من الحصول على النسب الصحيحة، وحين يتم ذلك بشكل مثالي، فإن التصميم يتطور من السقف نزولًا إلى باقي الهيكل”.
أبعاد متقاربة مع شيرون لكن بإطلالة أكثر إثارة
رغم أن توربيون أطول ببضعة سنتيمترات فقط من شيرون، ويبلغ فرق قاعدة العجلات حوالي 2.5 سم فقط، إلا أن السيارة تبدو أكثر جرأة وهجومية. أحد الأسباب الرئيسية لهذا التأثير البصري هو تثبيت المقاعد مباشرة على الهيكل الأحادي المصنوع من الكربون بدلاً من تحريكها، مما سمح بخفض ارتفاع السقف وجعل السيارة تبدو أكثر رشاقة وقوة.
تتميز توربيون أيضًا بالحفاظ على عجلات مقاس 20 بوصة في الأمام و21 بوصة في الخلف، لكن الأقطار الإجمالية للعجلات والإطارات زادت بشكل طفيف، مما يعزز الثبات والأداء الديناميكي.
الحفاظ على هوية بوجاتي مع لمسات مستقبلية
على الرغم من كل التغييرات، لا يمكن أن تخطئ هوية بوجاتي في توربيون، حيث لا تزال السيارة تحتفظ بالعناصر الأيقونية مثل خط Bugatti C على الجوانب، والشبك الأمامي على شكل حدوة الحصان، والتصميم ثنائي اللون المستوحى من الطرازات الكلاسيكية التي صممها إيتوري بوجاتي Ettore Bugatti وابنه جان بوجاتي Jean Bugatti.
لكن مع ذلك، أصبحت النسب أكثر تطرفًا، وهو أمر لم يكن ممكنًا دون التعاون الوثيق بين فرق التصميم والهندسة منذ اللحظة الأولى، وهو ما يعتبره هايل مفتاح النجاح في بوجاتي.
يقول هايل: “تصميم سيارة أشبه بحل لغز معقد، ولا يمكن حله إلا عندما يعمل الجميع معًا”، مضيفًا: “نحن نتحدث عن مئات الأشخاص، كل واحد منهم خبير عالمي في مجاله، وعندما نجتمع لصنع منتج سيبقى خالدًا، ربما لمئة عام قادمة، فهذه مسؤولية عظيمة، وأفضل شيء يمكن أن أفعله في حياتي”.
0 تعليق